ابن أبي أصيبعة

639

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

متميز في علم صناعة الطب وكان أعجميا أصله من همدان وقطن ببغداد واستدعاه حسام الدين تمرتاش بن الغازي بن أرتق إليه وأكرمه غاية الإكرام وبقي في صحبته مدة ثم توجه ابن الصلاح إلى دمشق ولم يزل بها إلى أن توفي وكانت وفاته رحمه الله بدمشق ليلة الأحد سنة نيف وأربعين وخمسمائة ودفن في مقابر الصوفية عند نهر بانياس بظاهر دمشق ونقلت من خط الشيخ الحكيم أمين الدين أبي زكريا يحيى بن إسماعيل البياسي رحمه الله قال كان قد ورد إلى دمشق الشيخ الإمام العالم الفيلسوف أبو الفتوح بن الصلاح من بغداد ونزل عند الشيخ الحكيم أبي الفضل إسماعيل ابن أبو الوقار الطبيب وأراد ابن الصلاح أن يستعمل له تمشكا بغداديا وسأل عن صانع مجيد لعمل ذلك فدل على رجل يقال له سعدان الإسكاف فاستعمل التمشك عنده ولما فرغ منه بعد مدة وجده ضيق الصدر زائد الطول رديء الصنعة فبقي في أكثر أوقاته يعيبه ويستقبح صنعته ويلوم الذي استعمله وبلغ ذلك الشيخ أبا الحكم المغربي الطبيب فقال على لسان الفيلسوف هذه القصيدة على سبيل المجون وذكر فيها أشياء كثيرة من اصطلاحات المنطق والألفاظ الحكمية والهندسية وهي ( مصابي مصاب تاه في وصفه عقلي * وأمري عجيب شرحه يا أبا الفضل ) ( أبثك ما بي من أسى وصبابة * وما قد لقيت في دمشق من الذل ) ( قدمت إليها جاهلا بأمورها * على إنني حوشيت في العلم من جهل ) ( وقد كان في رجلي تمشك فخانني * عليه زمان ليس يحمد في فعل ) ( فقلت عسى أن يخلف الدهر مثله * وهيهات أن ألقاه في الحزن والسهل ) ( ولاحقني نذل دهيت بقربه * فلله ما قاسيت من ذلك النذل ) ( فقلت له يا سعد جد لي بحاجة * تخور بها شكر امرئ عالم مثلي ) ( بحقي عسى تستنخب اليوم قطعة * من الأدم المدبوغ بالعفص والخل ) ( فقال على رأسي وحقك واجب * على كل إنسان يرى مذهب العقل ) ( فناولته في الحال عشرين درهما * وسوفني شهرين بالدفع والمطل ) ( فلما قضى الرحمن لي بنجازه * وقلت ترى سعد أن انجز لي شغلي ) ( أتى بتمشك ضيق الصدر أحنف * بكعب غدا حتفا على الكعب والرجل ) ( وبشتيكه بشتيك سوء مقارب * أضيف إلى نعل شيبه به فسل ) ( بشكل على الأذهان يعسر حله * ويعيي ذوي الألباب والعقد والحل ) ( وكعب إلى القطب الشمالي ماثل * ووجه إلى القطب الجنوبي مستعلي ) ( وما كان في هندامه لي صحة * ولكن فساد شاع في الفرع والأصل ) ( موازاة خطى جانبيه تخالفا * فجزء إلى علو وجزء إلى سفل )